شهد زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) مؤخراً تقلبات قوية، لكنه واجه صعوبة في تحديد اتجاه واضح للحركة. يتناوب المشترون والبائعون على امتلاك زمام المبادرة، في تفاعل مباشر مع الخلفية الإخبارية سريعة التغير. وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة أسابيع في شهر مايو، تداول الزوج ضمن نطاق واسع؛ إذ دفع المشترون السعر إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 1.3656، بينما ضغط البائعون عليه ليهبط إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع عند 1.3301.
وتتمحور الأنظار حالياً حول العوامل الجيوسياسية، والأزمة السياسية في المملكة المتحدة، والتقارير الاقتصادية الكلية الرئيسية. وتشبه هذه العوامل "البجع والسرطانات والحيّات المائية" التي تجذب زوج GBP/USD في اتجاهات متعارضة.
لنبدأ بالأحداث السياسية الداخلية في بريطانيا. على خلفية نتائج مخيبة للآمال في الانتخابات المحلية لحزب Labour الحاكم، تزايدت في المملكة المتحدة النقاشات حول احتمال تغيير قيادة الحزب (ومن ثم احتمال تغيير رئيس الوزراء) Keir Starmer. وزاد من حدة الموقف ترشّح Andy Burnham لانتخابات فرعية في البرلمان. ويُنظر إلى عمدة Greater Manchester على أنه أحد أبرز المرشحين لزعامة الحزب الجديدة. وأظهرت نتائج استطلاع YouGov يوم الاثنين أن 47% من أعضاء Labour يفضّلون رؤية Burnham على رأس الحزب. المتعاملون في السوق رأوا في هذه المعطيات تهديداً لاستقرار السياسة المالية، ليتراجع بعدها زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي إلى قاعدة مستوى 1.33.
تكمن المشكلة في أن Burnham يرتبط بنهج اقتصادي أكثر ميلاً لليسار، قائم على «الإنفاق». ويُنظر إليه باعتباره سياسياً يدعم تقليدياً توسيع الإنفاق الحكومي (خصوصاً في القطاعات الاجتماعية وقطاع الرعاية الصحية)، وزيادة وتيرة إعادة التوزيع، والالتزام الأقل صرامة بالقيود المالية. من الطبيعي أن ينظر المتداولون إلى مثل هذا التوجه باعتباره عاملاً يزيد من مخاطر تفاقم عجز الموازنة، وارتفاع وتيرة إصدار الديون الحكومية، وتزايد الضغوط على العائدات.
إلا أن Burnham سارع يوم الاثنين إلى طمأنة الأسواق علناً بأنّه، في حال وصوله إلى السلطة، لن يعيد النظر في حدود الاقتراض الحكومي. وبحسب قوله، ستظل القواعد المالية الحالية قائمة، كما أن الإنفاق الدفاعي لن يتجاوز الحدود المقررة.
هذه التصريحات «التهدئية» أثارت تقلبات قوية في زوج GBP/USD، إذ ارتفع السعر في غضون بضع ساعات بأكثر من 100 نقطة أساس.
وحصل المشترون على دعم إضافي من الأحداث الجيوسياسية الأخيرة. فقد ظهرت يوم الاثنين تقارير تفيد بأن واشنطن مستعدة لبحث تخفيف مؤقت للعقوبات في إطار مفاوضاتها مع طهران. وقد أسهمت هذه التسريبات المطمئنة في خفض حدة التوترات الجيوسياسية، ما وضع ضغوطاً على الدولار في مختلف الأسواق، بما في ذلك أمام الجنيه الإسترليني، ليتيح ذلك لمشتري زوج GBP/USD اختبار مستوى 1.34.
إلا أن زوج GBP/USD غيّر اتجاهه نحو الهبوط يوم الثلاثاء على خلفية تقرير ضعيف نسبياً عن سوق العمل في المملكة المتحدة. ورغم أن البيانات جاءت متضاربة، فإن المتداولين فسّروها بشكل واضح كسلبية بالنسبة للعملة البريطانية. ويبدو هذا الاستنتاج منطقياً تماماً، إذ إن الصورة العامة – رغم تباين المؤشرات – تميل إلى كون «الكأس نصف فارغة» في هذه الحالة لا العكس.
فقد ارتفع معدل البطالة الرسمي في المملكة المتحدة عن فترة الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس 2026 إلى 5.0%، بعد أن كان قد تراجع إلى 4.9% في الفترة السابقة. وكان معظم المحللين يتوقعون بقاء المؤشر دون تغيير.
كما سُجّل انخفاض ملموس في عدد الموظفين المسجلين على جداول الرواتب (بنحو 100 ألف تقريباً). ويُعد هذا من أكبر التراجعات في السنوات الأخيرة (باستثناء فترة أزمة فيروس كورونا).
وفي الوقت نفسه، انخفض العدد الإجمالي للوظائف الشاغرة إلى 705 آلاف خلال الفترة من فبراير إلى أبريل من العام الجاري، وهو أدنى مستوى لهذا المؤشر خلال السنوات الخمس الماضية (منذ ربيع 2021). مقارنة بالفترة الممتدة على ثلاثة أشهر السابقة، تراجع المؤشر بنسبة 3.9%. وعلى أساس سنوي، بلغ الانخفاض 7.1%. وقد لوحظ تراجع عدد الوظائف الشاغرة في 11 قطاعاً من أصل 18 قطاعاً في الاقتصاد، وكان قطاع تجارة التجزئة الأكثر تضرراً. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المكوّن من التقرير يُعد بمثابة «مؤشر استباقي»، أي أنه مؤشر رائد على أن الشركات بدأت تأخذ في الحسبان مخاطر الركود وتجميد التعيينات الجديدة.
وارتفع عدد طلبات إعانات البطالة بمقدار 26,500 طلب في أبريل، بعد زيادة قدرها 4,900 طلب في الشهر السابق. وتمثل هذه الأرقام أقوى وتيرة نمو منذ عام 2023. وبالاقتران مع تراجع التوظيف وارتفاع البطالة، يشير هذا المؤشر إلى أن سوق العمل في المملكة المتحدة يدخل في مرحلة تباطؤ تدريجي.
أما وتيرة نمو الأجور (باستثناء العلاوات)، فقد تباطأت إلى 3.4%، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020. وباحتساب التضخم، يشير ذلك عملياً إلى جمود في نمو الدخل الحقيقي.
وهكذا، تشكّل لزوج GBP/USD مشهد أساسي متناقض. فمن ناحية، هناك بارقة أمل في ما يخص تسوية الصراع في الشرق الأوسط؛ ومن ناحية أخرى، هناك بيانات قاتمة من سوق العمل البريطاني. ولم يتمكن المشترون من التمركز بثبات فوق مستوى 1.34 (ما يشير إلى هشاشة المراكز الشرائية)، إلا أن التفكير في المراكز البيعية يصبح منطقياً فقط إذا نجح البائعون في التماسك دون مستوى الدعم 1.3380، حيث تتطابق عند هذا السعر تقريباً المتوسط المتحرك لمؤشر Bollinger Bands على إطار H4 الزمني مع خط Tenkan-sen. وبرغم هيمنة المزاج البيعي يوم الثلاثاء على زوج GBP/USD، لم ينجح البائعون حتى الآن في كسر هذه العتبة. وإذا تمكنت القوى البيعية من الدفع بالسعر إلى ما دون هذا المستوى، فسيكون الهدف التالي للحركة الهابطة عند مستوى 1.3310 (الحد السفلي لسحابة Kumo على الإطار الزمني D1).
روابط سريعة